صفي الرحمان مباركفوري

426

الرحيق المختوم

إلى الرفيق الأعلى طلائع التوديع لما تكاملت الدعوة ، وسيطر الإسلام على الموقف ، أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره صلى اللّه عليه وسلم ، وتنضح بعباراته وأفعاله . إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوما ، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب ، وتدارسه جبريل القرآن مرتين ، وقال في حجة الوداع : « إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا » ، وقال وهو عند جمرة العقبة : « خذوا عني مناسككم ، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا » ، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق ، فعرف أنه الوداع ، وأنه نعيت إليه نفسه . وفي أوائل صفر سنة 11 ه خرج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى أحد ، فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات ، ثم انصرف إلى المنبر فقال : « إني فرطكم ، وإني شهيد عليكم ، وإني واللّه لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، أو مفاتيح الأرض ، وإني واللّه ما أخاف أن تشركوا بعدي ، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها « 1 » » . وخرج ليلة - في منتصفها - إلى البقيع فاستغفر لهم ، وقال : « السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهن لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى . وبشرهم قائلا : إنا بكم للاحقون » . بداية المرض وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 ه وكان يوم الاثنين - شهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جنازة في البقيع ، فلما رجع - وهو في الطريق - أخذه صداع في رأسه ، واتقدت الحرارة ، حتى إنهم كانوا يجدون سورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه . وقد صلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالناس وهو مريض 11 يوما ، وجميع أيام المرض كانت 13 أو 14 يوما .

--> ( 1 ) متفق عليه ، صحيح البخاري 2 / 585 .